منتدي ام رحمة الاسلامي
مرحبا بالزوار الكرام في منتدانا المتواضع ونرجو ان يحوذ علي اعجابكم وقضاء اسعد الاوقات معنا بإذن الله

منتدي ام رحمة الاسلامي

مرحبا با لمتحا بو ن في الله
 
الرئيسيةالبوابةاليوميةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
 
*رد جميع الشبهات حول الاسلام*
 
 
 أكبرموقع* لنصرة* الحبيب المصطفي

شاطر | 
 

 معرفة الله... كأنك تراه

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: معرفة الله... كأنك تراه   الجمعة مارس 19, 2010 4:17 pm

مأخوذ من الدكتور محمد راتب النابلسى ...


اسم الله الواسع





الواسع: صفة لكل صفات الله تعالى، فهو الواسع في كل شيء، في رحمته وقدرته وعدد ما شئت من صفاته اللانهائية في عددها وفي حدودها، أي كل واحدة على حِدَةٍ لا حدود لها.

فالإنسان محدود في عِلمِه، ومحدود في قدرتِه وماله وجاهِه وكل إنسان هناك من هو فوقَه، إلاّ أن الله سبحانه وتعالى هو الواسع فَرَحْمَتُه وسِعت كل شيء وغِناه وسِع كل فقير وإحسانه شمَل كل مخلوق فلا تضيق دائرة علمه عن كل شيء ولا تضيق دائرة إحسانِه عن أيِّ شيء ولا تضيق دائرة قوَّتِه عما دونه فقُوَّته تتعلق بِكل ممكن وإحسانه يتعلق بِكل ممكن وعِلمه يتعلق بِكل ممكن، فَكَلِمة "واسِع" أي وسِعت رحمتي كل شيء، ووسِع عِلمي كل شيء ووسِعت قدرتي كل شيء ووسِع غِناي كل شيء، لِذلك قيل الواسع هو الذي لا نِهايَة لِسُلْطانِه فَنَحن لا نستطيع تصوُّر اللانِهائي فالطريق له نِهاية وهذه المجرّة لها نهاية وهذا الغني مهما عظُم ماله ينتهي عند رقمٍ وهذا الإنسان مهما بلَغ من جاهِه هناك شيء لا يستطيعُه مثلاً؛ أمهر طبيب بِالعالم إذا مات المريض هل يُمكِنه أن يعيد له الحياة؟ هذا شيء فوق طاقَتِه:

إنّ الطبيب له عِلم يُدلّ به إن كان للناس في الآجال تأخير
حتى إذا ما انتهت أيام رِحلتِه حار الطبيب وخانتْه العقاقير

أحياناً يتحدّث إليك شخص فَتَقول لشخص آخر يريد أن يكلمك في أمر ما : انتظر إلى أن ينتهي من حديثي هذا كي أتمكّن من الفهم عليك فلا يتَّسِع إدراكه لِسَماعِ صوتين ولا إلى أن ينصرِف إلى جِهتين فهو غير واسِع أما ربنا عزّ وجل معنى أنه واسع أيْ لا يشغله معلوم عن معلوم ولا شأنٌ عن شأن، لو أنّ كل العِباد دَعَوْهُ في وقتٍ واحدٍ لَسَمِعهم جميعاً، بينما الإنسان لا يستطيع أن ينصَرف إلى جهتين معاً، حتى في علم النفس يقولون: إن الذي يبدو لك أنه يستمع إلى شخصين معاً إيّاك أن تصدِّق ذلك وإنما عنده ما يسمى سرعة التحوّل أما أن يستطيع أن يستوعِب حديثين معاً أوثلاثة فهذا غير ممكن.

وقيل الواسع هو العالم المحيط علمه بِكل شيء وسِع علمه كل شيء، أحياناً تركب بِمَركبة فترى كلّ شيءٍ أمامك مكشوفًا أما خلفك ما دون زاوية النظر لا تستطيع أن تحيط به، لِحِكمة أرادها الله عز وجل، عينا الطائر تُغَطِّيا ثلاثمئة وستين درجة ولكن قد لا تغطي تحته فهذه ثلاثمئة وستون درجة مستوِية فالإنسان سمعه محدود، وبصره محدود، وقدرته محدودة وإحسانه محدود.

وقيل هو الذي وسِع بِعِلمه جميع المعلومات ووَسِعت قدرته كل المقدورات واسِع الرحمة والغِنى والسلطان والعِلم والقدرة والإحسان.

وقيل هو الذي لا حدود لِمدلول أسمائه وصِفاته - هذا معنى جديد - فاسم الرحيم ليس له حدود، واسم الكريم ليس له حدود، واسم الغني والقوي كذلك وما معنى الله أكبر؟ مهما عرفت عن أسمائه الحسنى فهو أكبر من ذلك النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى زيد الخير قال له: يا زيد: والله ما وُصِف لي رجل إلا رأيته دون ما وُصِف.

قيل هو الواسع في علمه فلا يجهل، وواسِع في قدرته فلا يعجل، وقيل: الواسع الذي لا يغرب عنه أثر الخواطر في الضمائر، أنت قد تتأمل إنساناً وتتأمل قِوامه، ولون جِلدهِ، ولَون عَينَيه ولون شعره، وثِيابه وألوان ثِيابه وأناقَتَه، وإنسِجام الألوان في ثِيابِه، وحركته ونظرته ولَفْتَته ونبْرة كلامه، لكن هل تستطيع أن تكشِف بِماذا يفكِّر؟ أو ما الذي يخطر بِبالِه؟ لايمكن إذاً دائرة معلوماتك محدودة وقفت هنا، أما الواسع هو الذي لا يغرب عنه أثر الخواطر في الضمائر فَكُل الخواطر التي تخطرعلى بالك هي في علم الله عز وجل. لأنه سبحانه وتعالى واسع الإدراك والمعارف، لا يمنعه شيء عن إدراك شيء.

سمعت بعض العارفين يقول: والله يا رب لو تشابهت ورقتا زيتون لما سُميت الواسع، فالأرض تحمل ستة آلاف مليون إنسان، ولْنُجْرِ إحصاءً على مستوى بلد واحد، فهل هناك وَجْهٌ يشبِه وجهاً؟ حتى لقد قيل لي: لو جِئنا بِآلة تصوير ملوَّنة ذات حساسية للألوان التي في البشر فلا تستطيع هذه الآلة أن تظهر الفروق التي بين الأشخاص، إذْ إن كل شخصٍ له لَوْن أما هذه الآلة قد تظهر مئة شخصٍ بِلَونين أو ثلاثة فقط، في حين أن كل شخصٍ له لون ونبْرَة صوت ورائحة جسم وكيمياء دم وهي البلازما وله شكل بِالقُزحِيّة وله بصمة وزُمرة نسيجية، فأنت لا تُشبِه في العالم كلِّه إلا واحداً فالعلماء اكتشفوا الآن مليونين ونِصف مليون زمرة نسيجية، إذًا الله واسع؟

فالله هو الواسع؛ إذا نظرنا إلى عِلمه فلا ساحِل لِبَحر علومه، وإذا نظرنا إلى إحسانه ونِعَمِه فلا نِهاية لإحسانه، فليتق المرء بعطاء ربه و ليطلب منه فهو سبحانه واسع عليم، فالإنسان عطاؤه محدود لكن الله واسِع ولا حدود لِفَضْله فَبَدَلَ أن تحسد الناس اِسْعَ في طلب ما عند الله كما طلبوا من الله لذلك قال تعالى:

وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَىٰ هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَىٰ أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ ۗ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (آل عمران:73)

وهذا معنى دقيق الدلالة، ففي الحياة الاجتماعية والوظيفية هناك مناصِب؛ فهناك مدير دائرة، وهناك موظف بالدرجة العاشِرة وهذا المنصب يقال لك: شُغِل ولا سبيل للارتِقاء إليه حتى يُزاح الذي فوقك فليس من شواغر فالعطاء ليس واسٍعاً، لكن الله تعالى يَسَع فضله الخلق كله، فلا يحسد إلا الجاهِل:


قُل لِمن بات لي حاسِداً أتدري على من أسَأت الأدبا
أسأت على الله في فِعله إذْ لم ترض لِي ما وهبـا

عن هُرَيْرَةَ قَالَ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ وَهُوَ فِي الصَّلاةِ اللَّهمّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلأَعْرَابِيِّ لَقَدْ حَجَّرْتَ وَاسِعًا يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ * (رواه البخاري)

اللهم ارحمني ومُحمَّدا ولا ترحم معنا أحداً، فقال عليه الصلاة والسلام: لقد حجَّرْتَ واسِعاً، لو أن الخلق جميعاً كانوا على أتقى قلب رجلٍ في البشر لَوَسِعهم فضل الله عز وجل، كلمة واسع كلمة رائعة جداً؛ والله واسع عليم قال تعالى: " قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ "، أي: يعطيه من يشاء من عِباده.

لا تحسُد ولا تتمنّ ما عند أخيك بل اُطلب من الله ولا تتمنّ ما فضَّل الله بعض الناس على بعضهم، وأصغِ سمعك لقول الشاعر ففيه معنى رائع في الموضوع الذي نحن فيه:
لا تسألَنّ عن السبب ملِك الملوك إذا وَهَب
وأنا عدّلْته وقلت:

ملك الملوك إذا وهب قُم فاسْألنّ عن السبب
الله يعطي من يشـاءفَقِف على حـدِّ الأدب

لاتحسدْ، وإنما تنافس مع أخيك دون أن تحْسُده قال تعالى:

خِتَامُهُ مِسْكٌ ۚ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ (المطففين:26)

لأن فضل الله واسِع يؤتيه من يشاء، وقال تعالى:

وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (النور:32)

لو كان إنسان يساعِد الفقراء لَضَجِر تبرّم أحياناً، وقال كفاكم، لقد سَئِمت لأنه ليس واسٍع، ولكنهم لو سألوا الله عز وجل لوجدوا عطاءه واسعاً دافقا. فكم أنفق الله الواسع منذ خلق الأرض،ً وقد قال رسول الله فيما يرويه عن ربه تعالى:
يَا عِبَادِي لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي إِلا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا أُدْخِلَ الْبَحْرَ يَا عِبَادِي إِنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إِيَّاهَا فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلا يَلُومَنَّ إِلا نَفْسَه*(رواه مسلم)

الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (غافر:7)

ويحلو لي أن أختم البحث بما يلي: من أدب التَّخلّق باسم الواسع: أن يتَّسِع خلُقُك ورحمتُك لجميع عباد الله؛ فقد يكون عطْفك كله لأولادك، وأحياناً لأقرِبائك وتضيق دائرة رحمته عن الغرباء، وتحب أسرتك وعشيرتك وقبيلتك أما المؤمن فكلما إزداد إيمانه تتَّسِع دائرة رحمته لِكل الخلائق. وللك كانت شريعتنا أوسع الشرائع في خلافاتها الفقهية، واسعة تسع الناس كلهم ولا تضيق على أحد. بل كلما ضاق أمرٌ على أحد أتسع كما قال العلماء بل جعل الله لنا سعة من كل ضيق بقوله الا ما أضطررتم اليه لألى يضيق علينا لأنه سبحانه الواسع، فهو واسع حتى في أحكام شريعته لنا.

عندما جاء جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلَّم بعد أن اسْتَخَفوا به في الطائف وبعد أن سَخِروا منه وكذَّبوا دعْوَته وأَغْرَوا سُفهاءهم بِإيذائه جاءه جبريل وقال:
أَنَّ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ قَالَ لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِيَالِيلَ بْنِ عَبْدِكُلالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ فَنَادَانِي فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ ثُمَّ قَالَ يَا مُحَمَّدُ فَقَالَ ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا *(رواه البخاري)

فالنبي عليه الصلاة و السلام قال: لا يا أخي. اللهم اهدِ قومي فإنهم لا يعلمون، طبْعاً لا بد من باب الموازنة فما منا من أحد لو أساء إليه آخر إساءة نافذة إلا ويتمنى أن يُقَطِّعه إرْباً إرْباً لكن النبي صلى الله عليه وسلّم وسِعت رحمته خصومه وأعداءه والذين كذَّبوه وسخِروا منه واسْتَخَفوا به والذين أَغْرَوا سفهاءهم بِإيذائه هؤلاء وسِعتهم رحمة النبي عليه الصلاة والسلام، فمن أدب التخلق بِهذا الاسم أن تتَّسِع رحمتك لِكل عِباد الله من كل الأجناس، والمؤمن أوسع مدى من ذلك فحتى الحيوانات يرحمها؛ إنكم لن تسَعوا الناس بِأموالكم فسعَوْهم بِأخلاقكم لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام لما سمِع الأعرابي يقول: اللهم ارحمني ومحمّدا قال له لقد حجَّرْت واسِعاً.

الإمام الغزالي يقول: " تأدُّباً مع اسم الواسع ينبغي أن تتَّسِع دائرة عِلمك لأن الله عالم ويحب كل عالم وأن تتَّسِع دائرة إحسانِك ودائرة عَفْوِك لتشمل كل الناس "، فهناك قلب صغير وهناك قلب كبير يتَّسِع لكل الناس ولكل التجاوُزات والعَنْعَنات والحماقات، بينما هناك من ينفجِر قلبه ويضيق ويكيل الصاع صاعين، والعوام يقولون: "الوعاء الأكبر يتَّسِع للأصغر" فأنت كلما كبرت عند الله اِتَّسعت نفسك لكل الخلائق، والكبير يسَعُ الصغير، والحليم يسع الأحمق، والعالم يسع الجاهل، والغني يسع الفقير، فهذا هو التطبيق العملي لهذا الاسم وهو أن تتَّسِع في علمك ورحمتك وإحسانك وعَفْوِك.

الإنسان الواسع يتّسع للحسود مثلاً ولغيره، ولكل من أساء إليه. والله قال لنا "ولكن كونوا ربانيين" أو متعلقين بأخلاق ربكم وصفاته وكل من وسع الناس بأخلاقه فهو رباني. وكل من وسّع دائرة عذره للآخرين فهو رباني، وكل من أختلف مع غيره فوجد ما يجمعه معه فهو رباني واسع نوالله ضرب لنا مثلا بنفسه اذ رزق أقواما خالفوا أمره بل أنكروا وجوده، وهذ من سعة أخلاق الله. بل سمح لابليس بالبقاء والحوار معه فسبحان من وسعت صفاته خلقه. فاللهم أجعلنا ربانيين وارثين لأخلاقك التي كسوت بها النبيين حتى نكون وارثين.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الجمعة مارس 19, 2010 4:22 pm

اسم الله المحسن


الإحسان هو إيصال البر منك إلى غيرك في جمال وإتقان، وفعل الشيء على أكمل ما يمكن، فالإحسان يكون للغير بفعل الخير، ويكون بإتقان العمل نفسه، والإحسان هو جودة الفعل الزائد على حد العدل، فالعدل هو تساوي كفتي الميزان بأن يتساوى ما هو لك بما هو عليك. فمثال العدل لو أن إنسانا اشترى قميصا من محل دون أن يعطيه كيسا يضع فيه القميص فهذا عدل، فلو أعطاه كيسا فهذا إحسان، ومثال آخر في التفريق بين العدل والإحسان، لو أنني اشتريت شيئا بعشرة وهو في السوق بعشرين، فهذا إحسان من البائع للمشتري، وكذلك لو كان بعشرة في كل المحلات، لكن الذي اشتريته أكثر جودة وإتقان، وكذلك لو كانت السلعة واحدة وسعرها واحد، لكن صاحب هذا المحل يبتسم في وجه من يشتري فهذا إحسان، فالإحسان هو فعل خير زائد لا يستحقه الطرف الآخر تفضل به عليه الطرف الأول.

ولو نظرنا في علاقة الله بعباده لوجدناها علاقة قائمة على التفضل المحض منه سبحانه، والإحسان المتعدد الصور، بدءا من بروزنا من العدم الذي لا نستحقه، والعدل أن تبقى في العدم لأننا لم نقدم شيئا في العدم نستحق عليه هذا البروز إلى عالم الوجود، ولو توقف الإحسان عند هذا الكلام ما كان عليه سبحانه ملام، ولكنه تفضل فيسر أسباب البقاء، وزاد في العطاء، وكان يمكن أن يقول لك: تفضلت عليك وأوجدتك من العدم فاعمل على استمرار بقائك وابحث عمن يرعاك ويتولى هداك، ولكنه سبحانه هيأ لك والديك يخدمانك في صغرك ويعلمانك في صباك، ولو توقف الإحسان عند هذا الكلام ما كان عليه سبحانه ملام، ولكنه بعد أن صورك في أحسن تقويم هداك إلى الطريق القويم، وجعلك من المسلمين، بل ومن أتباع سيد المرسلين، ولو توقف الإحسان عند هذا الكرم ما كان عليه سبحانه ملام، ولكنه زاد في الإنعام فعلمنا القرآن، ومعاني البيان، ووهبنا عقلا نفهم به الكلام، ولم يجعلنا كالأنعام، ولو فعل ماكان عليه ملام، ثم زادنا في الإنعام ألوانا يقصر عنها الكلام، لو جمعنا لها الأقلام وكتّاب الإعلام لم تفي الأوراق من كثرة الكلام الدال على الإنعام، وأعظم نعمة بعد الوجود هي الخلود في رضا المعبود في جنة ليس لها مثل بشهادة الشهود، وهؤلاء الشهود هم عباد المعبود الذين هم موضع وموضوع الإحسان من الله المحسن، وقد أحسن الله إلى كل شيء، وأعظم شيء أحسن إليه بني الإنسان الذين قال فيهم "ولقد كرمنا بني آدم ..." وقال عنهم واصفا خلقهم " لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (التين:4)
الإحسان في خَلق الإنسان:
جعل لك عينين، ولولا العينان لما أدركت البعد الثالث، أنت بعين واحدة ترى بعدين سطحيين، لكنك في العين الثانية ترى البعد الثالث، ترى العمق.
وجعل لك أذنين، وبأذن واحدة يصل الصوت إليك، لكن بالأذنين تعرف جهة الصوت.
وفي الشَّعر، جعل لكل شعرة وريدا، وشريانا، وعصبا، وعضلة، وغدة صبغية وغدة دهنية، وليس في الشعر أعصاب حس، من أجل أن تهذب شعرك من دون مستشفى، ولولا أن الشعر خالٍ من أعصاب الحس لاضطر الإنسان إن أراد أن يهذب شعره إلى تخدير شامل في المستشفى .
الله ( محسن )، من أجل أن تفرق بين 8 ملايين لون، ولو درجت اللون الواحد إلى 800 ألف درجة لكشفت العين السليمة الفرق بين الدرجتين: الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ..." (السجدة:7)
كأس الماء لو رأيت ما فيه من بكتريات لما شربته، جعل للبشر عتبة لا ترى أكثر مما ينبغي أن تراه ، ولا تسمع أكثر مما ينبغي أن تسمعه . "إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ" (القمر:49(
لذلك كلمة محسن تعني أنه محسن في خَلقه، محسن في التصميم، محسن في الأجهزة، محسن في الحواس، محسن في قوام الإنسان.
والحسن ضد القبح، وحسن الشيء زينه، يعني.. تصور إنسان بلا جلد منظره لا يحتمل.. تماماً كبيت على الهيكل، أما كسوة البيت، والطلاء، والنوافذ، والأرض، والأثاث. .كل ذلك غير موجود: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ..."(السجدة:7(
فشمل إحسانه سبحانه لنا من أصل وجودنا من العدم، إلى دوام هذا الوجود، إلى العناية بنا في فترة هذا الوجود بكل ما يلزمنا بما هو ضروري وتجميلي.

صوَرٌ من إحسان الله في مخلوقاته:
• كل الفواكه والخضروات تنضج تباعاً، ولو أن كل الفواكه يبدأ نضجها في وقت معين لكان الأمرُ صعبًا، لكن تبدأ بفاكهة، بعد شهر فاكهة ثانية، آخر شيء العنب في الخريف، قبله التين، قبله الإجاص، قبله الدراق، قبله الكرز، أيضاً الفواكه موزعة في الصيف توزيعا مريحا، على مدى الصيف، كل أسبوعين أو ثلاثة أو شهر ينضج نوع من الفاكهة، هذا من الإحسان، فادخر لنا أرزاقنا بطول أعمارنا ولم يلقها إلينا في وقت واحد، فتضيع علينا أرزاقنا بالفساد أو بالضياع لأننا لا نجد ما نخزنها فيه، فالإحسان أن تبدأ الشيء وتتممه على أحسن ما يمكن.
• البقرة تعطيك من الحليب ما يفوق ثمن الطعام، لو أنها تعطيك من الحليب أقلّ من ثمن الطعام فلا أحد يقتني بقرة.
• لو أن الدجاجة تعطي في الشهر بيضة واحدة لكانت مكلفة، وأصبحت غير اقتصادية، كل يوم لها بيضة، وطعام الدجاج لا يساوي الإنتاج الذي ينتجه من البيض، وهذا من الإحسان.
لو أن هذا الفكر بدأ يجول في خلق الله عز وجل لتعرف على الله، لذلك أرقى عبادة هي التفكر
"إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لأوْلِي الألْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ". ( آل عمران: 190)

صفة الإحسان تتجلّى في جهاز المناعة المكتسب:
أنت معك جهاز مناعة عبارة عن جيش بكل معاني الكلمة، فيه خمس فرق: فرقة الاستطلاع، فرقة مهمتها استخبارية فقط، يدخل الجرثوم إلى الجسم فتتجه كريات بيضاء من فرقة الاستخبارات، وتأخذ شفرة الجرثوم ولا تقاتله، تأخذ هذه الشفرة إلى مركز صنع المصول (الأمصال)، إلى مركز معامل الدفاع في العقد الليمفاوية، وتعطي العقد تركيب الجرثوم، وصفاته الكيماوية، هذه المراكز معامل أسلحة تصنع المصل المضاد لهذا الجرثوم، المعامل أو العقد الليمفاوية تشكل معامل للسلاح، والفرقة الاستطلاعية تشكل جهاز المخابرات في الجسم، وهناك فرقة المقاتلين، وهي الفرقة الثالثة، هذه الفرقة تحمل المصل المضاد، وتتجه إلى الجرثوم فتقاتله، وينشب بينهما قتال، وقد ينتصر الجرثوم، وربما لا ينتصر.
عندنا فرقة رابعة، وهي فرقة الخدمات، هذه الفرقة تنظف أرض المعركة، وتدفن الجثث، وأحياناً يرى الإنسان كتلة بيضاء في جلده، هذه أثر معركة بين الجراثيم وكريات الدم الحمراء، هذا تصميم من؟ الله الذي أحسن كل شيء خلقه...هناك فرقة أخرى خامسة، وهي فرقة تكتشف الخلية السرطانية في وقت مبكر جداً وتلتهمها، وفي الإنسان ملايين الخلايا السرطانية، لكن لكل خلية سرطانية قامع يمنعها أن تكون فعالة، وهناك أشياء تفك هذا القامع، الشدة النفسية، والمواد البترولية، والمواد البلاستيكية، والإشعاع النووي هذه أسباب السرطان، فجهاز مناعة مكتسب جهاز مذهل.
لك أن تتخيل حالك وأنت وسط هذا الكم من الأعداء الفاتكة بجسمك وهيكلك بدون أن يكون معك ما يحميك منها، فالله سبحانه أحسن إليك بأن أوجدك وحسّن تقويمك، وأمدك بما تحتاج، ثم تمم الإحسان بأن منع عنك ما يؤذيك، ويهدد وجودك وبقاءك، فالإحسان هو عمل له ظاهر، وهو جسم الأنسان وصورته الحسنة، وله باطن وهو إتقان هذه الصفة، وسد الثغرات التي تمنع الاستفادة من هذه الصورة فسبحانه من قائل: "الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ ۖ..." (السجدة:7)
الدماغ موضوع في صندوق عظمي، بين الدماغ والصندوق سائل، هذا السائل من أجل امتصاص الصدمات، لو أن طفلا وقع على رأسه هذا الاهتزاز الشديد السائل يوزعه على كامل مساحة الدماغ، يبقى الطفل سليماً.

أحاسنكم أخلاقاً:
الله سبحانه هو مصدر الأخلاق، وكل ما نراه من أخلاق في بني الإنسان منشأها الله تعالى، ولنعرض لصورة من الإحسان والأخلاق الربانية التي تربى عليها أبو الأنبياء عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.
قال الله عز وجل: "فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاء" (الذاريات: 26)... سيدنا إبراهيم راغ، أي تسلل خفية، لم يستأذن الضيف في إحضار الطعام، لأن الضيف يستحي، لو عرضت على أن تأتيه بالطعام لتعفف، يقول لك: لست جائعا...لذلك من كمال أدب الضيافة ألاّ تستأذن الضيف في إحضار الطعام ﴿ فَمَا لَبِثَ أَن جَاء بِعِجْلٍ حَنِيذٍ ﴾. . جاء الطعام سريعاً، وهذا من كمال الدعوة، وجاء بطعام نفيس أي طيب..﴿ فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴾ ...أحياناً يكون طبق الطعام بعيدا عن الضيف، يستحي أن يتمطى ليصل إليه، يجب أن تقرب له الطعام.

وقد تعلم الخليل هذا الفعل من مولاه الذي ينزل عليه بالخير من غير أن يشاوره أو يسأله، فقرب إلينا نعمه، فالله خلقنا من غير أن نطلب منه ذلك، ثم ربّانا وأنعم علينا بما يغذينا من غير أن ندعوه.
الإحسان صفة الواحد الديان، والإنسان ما تعلم الإحسان إلا من الرحمن، فتراه محسن في علاقاته، محسن في مواعيده، محسن في دعواته، محسن في أفراحه، محسن في أحزانه.

فالزوج محسن لزوجته:
لأن الله قبل أن يأمره بقوله " وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" (النساء19) تعامل مع الزوجين بالإحسان فزوج كل منهما بالآخر على كبر دون أن يربي أحدهما الآخر في الصغر، وكل من الزوجين على مدار حياته قبل الزواج تعود على إحسان الله وإكرامه، فلم يكن غريبا أن يتعامل الزوجان مع بعضهما بالإحسان، ولذا ينبههما الله إلى ذلك فيقول: "...وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ..." (البقرة: 228)

محسن في تربية أولاده:
ففي حديث مسلم عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم "من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين، وضم أصابعه"، وفي رواية عند الحميدي "فأحسن صحبتهن، وصبر عليهن، واتقى الله فيهن دخل الجنة"
محسن في عمله، عمله مُتقن:
( إن الله يحب من العبد إذا عمل عملا أن يتقنه )
هناك إحسان في الكلام، إحسان في المعاقبة: اتق الوجه، أردت أن تؤدب ابنك فاتقِ الوجه، لأنه كرامة الإنسان، فالنبي نهى عن ضرب الوجه، هناك ضرب معتدل، ليس القصد إيقاع الألم الشديد، القصد لفت نظره.

كلمة ( محسن ) واسعة اتساعا يفوق حد الخيال، حتى الاحتفال فيه إحسان، حيث يكون الاحتفال أحيانا في أربع ساعات، وفيه إساءة إلى الله، والوقت ثمين جداً، أما احتفال منظم في ساعة ونصف فهذا إحسان.

قضية الإحسان تشمل الأفراح والأتراح، وتربية الأولاد، حتى في الثياب إحسان، ثياب نظيفة، ألوانها متناسقة، بسيطة، ما فيها تعقيدات، حتى في مكان عملك فيه نظام، ونظافة، وترتيب بالدكان، هذا أيضاً إحسان.

هناك إحسان يكون في إدارة الوقت، أحياناً إلغاء الروتين إحسان، تخفيف الأعباء على مواطن إحسان، هذا يشمل الأنظمة التي تنظمها الدولة، أحيانا تجمع حاجات المواطنين في بناء واحد، هذا إحسان.

كلمة إحسان واسعة بشكل غير معقول، يمكن أن تكون محسناً في كلامك، وفي تصرفك، وفي تربية أولادك، وفي معاملتك لزوجتك، وفي عملك، وفي أفراحك، وفي أتراحك، في كل شيء، ولذلك فالله يحب المحسنين، كما قال في القرآن، لأن الإحسان وصف جامع لكل الأخلاق. إن الله كتب الإحسان على كل شيء، والمؤمن محسن، والمؤمن يشتق هذه الصفة العالية من الله عز وجل : "وَلِلّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا". ( الأعراف: 180 )...أي تقربوا من الله بكمال مشتق من كمالات الله، فالقرب قرب صفات، وكلما تقاربت صفاتك مع صفات مولاك كنت أقرب إليه، فهذا الحبيب صلى الله عليه وسلم يقول "أقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا"، الله يحب صفته، فكلما ازددت من أخلاق الله وصفاته زاد حبه لك، ولذلك أحب الخلق إلى الله رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنه أحسن الناس أخلاقا، حتى وصفه الله بأنه على خلق عظيم، وعظمة الأخلاق من عظمة الله تعالى لأن الله عظيم، فصفاته عظيمة، فصارت الأخلاق عظيمة.

والأخلاق لا سقف لنهايتها، فانظر إلى قوله تعالى" ... وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" (آل عمران: 134)..ومع أن كظم الغيظ خلق حسن، وهو كف نفسك عن حقك، ومع أن العفو عن الناس هو عدم ذكر الخطأ بمحوه لئلا يؤذي المخطئ، ومع أن هذه أخلاق عاليه جدّا، إلا أن الله دعانا إلى التزود من أخلاقه فقال أحسنوا لمن أساء إليكم تماما كما يفعل الله معنا عندما نخطأ فيسامح ويعفوا، بل ويبدل الإساءة إلى حسنات، هذه أخلاق تفوق التوقعات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الجمعة مارس 19, 2010 4:26 pm

اسم الله الغفور


"الغفور" معنى غفور يدل على الكثرة والقوة في الكم والنوع في الفعل، فهذا الاسم على صيغة المبالغة في ستر الله ذنوبنا بعدم فضيحتنا أمام خلقه في الدنيا والآخرة، هذا المعنى الأول في الغفور ..هو ستر الذنب عن صاحب الذنب بنسيانه، لأن الإنسان لا يقوى على إعمال هذه الحياة مع إحساسه بالجريمة، فكيف إذا كثرت جرائمه وتذكرها واحدة بعد الأخرى، لا شك أنه سينهار وتتوقف حياته، وكم رأينا أناسا انتحروا أو فقدوا لذة الحياة لمجرد تذكرهم لشيء ارتكبوه في حق إنسان، إذا تذكره يجدد الأحزان ويفسد حلاوة الأيام، فكان من رحمة الله الرحمن ببني الإنسان أن كتب عليهم النسيان، وذلك بستر الذاكرة بحجاب النسيان وتغطية الأحداث باحداث بعدها، فيستر الجديد القديم فينساها الإنسان، فهذا من معاني الغفور.

فالمغفرة: أن يستر الله عنه هذا الذنب، وكل شيء سترته فقد غفرته، والمغفر غطاء الرأس، والمغفرة التغطية على الذنوب والعفو عنها، وغفر الله ذنوبه أي سترها: (( يُدنى المؤمن من ربه حتى يضَع عليه كنَفَه - أي ستره – فيقرِّرُه بذنوبه: تَعْرِفُ ذَنّبَ كذا وكذا؟ فيقول: أعرف ربِّ، أعرفُ - مرتين - فيقول سَتَرْتُها عليك في الدنيا، وأغْفِرُها لك اليومَ، ثم تُطوى صحيفةُ حسناته، وأما الآخرون - أو الكفار أو المنافقون - فينادى بهم على رؤوس الخلائق: هؤلاء الذين كَذَبوا على ربهم، ألا لعنةُ الله على الظَّالمين )) .[ البخاري عن ابن عمر]

إن اسم "الغفور" من أقرب الأسماء الحسنى إلى المؤمن، لأن المؤمن مذنب تواب، والله عز وجل غفور.

الآن الله عز وجل غفور، ما المعنى الدقيق لهذه الكلمة؟ "الغفور" هو الذي يستر العيوب ويستر الذنوب، مهما بلغ الذنب (مليار أو أكثر)، مهما بلغ الذنب من الكبر (كعظم السماوات أو أكبر)، ومهما تكرر من العبد وأراد الرجوع إلى الرب، فإن باب المغفرة مفتوح في كل وقت، لأن الغفور هو الذي يقبل ستر الذنب والمسامحة فيه مرة بعد مرة بلا نهاية لأن الله بلا نهاية، أما ذنوبنا مهما عظمت أو كبرت فلها نهاية.. الله غفور يعني: ياعبدي اطمئن من جهتي، فانا ليس من اخلاقي أن أفضحك إذا تكرر منك الخطأ مليار مرة لأني غفور، أنا أخاف عليك واحبك وأحب إظهار الجميل فيك أمام أقرانك وأصحابك واهلك، أنا لا أحصي ذنوبك لأفضحك بها في آخر الأمر، بل أحصيها عليك لأجعلها دليلا على مقدار حبي لك، فهل رأيت ياعبدي صاحبا تحمَل من صاحبه هذه الأخطاء كلها ثم يسامحه فيها في نهاية الأمر، فأنا لأني خلقتك وأعلم أنك بطبعك كثير الخطأ كنت لك أنا لك أيضا كثير الستر لخطئك ولا احب فضيحتك ولا أحب من يفضحك، بل إذا رأيت من يتتبع أخطاءك فأنا أتتبع أخطاءه وأفضحه لأنك عبدي وسأدافع عنك إن تعرض لك احد بسوء، فيامعشر من آمن بلسانه ولم يدخل الإيمان قلبه لا تتبعوا عورات المسلمين فإن من تتبع أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه في عقر بيته، فاللهم استر علينا ياغفور ومن علينا بالتوبة، فقد عظم حيائنا من رب غفور كثير الستر، عظيم الحلم على كبير الجرم.

الله غفور لمن أقبل، غفور لمن تاب، غفور لمن رجع، غفور لمن أناب، غفور لمن أصلح، غفور لمن استغفر، أما أن يقيم الإنسان على معصية وينوي أن يبقى عليها ويقول الله غفور رحيم هذا من السذاجة والجهل وعدم الفهم: قال تعالى " نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ {49} وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ" (الحجر: 50).

أي إما أن تأتيه طائعا وإما أن يدفعك إلى أن تأتيه، ربنا عز وجل قال في بعض الآيات أن الله تاب عليهم ليتوبوا ويوجد آيات تابوا فتاب الله عليهم، ما معنى توبة الرب إذا سبقت توبة العبد؟ وما معنى توبة الرب إذا تأخرت عن توبة العبد؟

قال بعض العلماء: إذا سبقت توبة الرب توبة العبد، أي أن الله عز وجل ساق له من الشدائد والمحن والمصائب ما دفعه إلى التوبة فما أكثر التائبين على أثر مصيبة نزلت بهم، الله عز وجل تاب على العبد قبل أن يتوب أي ساق إليه الشدائد والمحن والبلايا بحيث يحمله على التوبة.

بعض العلماء قال: " النبي عليه الصلاة والسلام قال حينما توجه إلى ربه قال: يامن أظهر الجميل وستر القبيح ".

دققوا في هذا الدعاء: يامن أظهر الجميل، وستر القبيح، أي قبيح هذا؟ خواطرك تأتيك خواطر لا يعلمها إلا الله خاطر قبيح جدا خاطر معصية، قد يأتي في بالك خاطر لا يرضي الله عز وجل، لكن ألا ترى أن الله سبحانه وتعالى جميل الستر، يغفرها لك: أي يسترها عن ان يعرفها الخلق، كل خواطرك محجوبة عن الخلق، لك أن تفكر بما تشاء ولك أن يخطر على بالك ما تريد وأنت عند الناس في أعلى مكانة، لذلك قال بعض الشعراء:

والله لو علموا قبيح سريرتي
لأبى السلام علي من يلقاني
ولأعرضوا عني وملوا صحبتي

شريكان إذا اطلع الأول على مايدور في خلد الثاني لفك معه الشركة، لو اطلع الزوج على ما يدور في بال زوجته لطلقها، لو اطلعت الزوجة على مافي ذهن زوجها لتركته، لو اطلع الأب على مايدور في بال ابنه عند تفكيره يموت أبيه لكرهه أعطني يدك لتقبيلها وفي باله خاطر آخر، لو اطلع الأب على ما يجول في خاطر ابنه لأبعده عنه . فالله عز وجل ستار جميل الستر هذا معنى قول النبي عليه الصلاة والسلام حينما دعا ربه قال: يامن أظهر الجميل وستر القبيح.

أي أنت في حصن حصين كل خواطرك الداخلية كل المشاعر كل الأفكار كل الطموحات، هذه كلها مستورة، فهذا من معنى المغفرة أي ستر عن الناس العيوب الفكرية.
وشيء آخر الإنسان دون جلد قبيح جداً، لو رأيت إنساناً على مستوى العضلات فقط مخيف، إنها عضلات متداخل بعضها ببعض، لو رأيت عضلات الوجه وحدها لوليت من الإنسان فراراً، عشرات العضلات المتداخلة والمستقيمة والمائلة لكن يأتي هذا الجلد فيجعل الوجه جميلاً، فربنا عز وجل ستر العضلات بالجلد، ويوجد فتحات بالجسم كلها مستورة وما تراه هو المنظر الأنيق، هذا من معنى: يامن أظهر الجميل وستر القبيح، الوجه الجميل.

فالله سبحانه وتعالى عندما يستر عن الناس عيوبنا الأخلاقية سواء منها الظاهرية أو الباطنية، فهو غفور يستر القبيح بعدم إطلاع الناس عليه، ويريد في الستر - وإن شئت فقل التمويه-، بان يكسونا بالظاهر الجميل من الأفعال، فيمدحنا الناس على أفعال حسنة ظهرت منا، فالغفور هو من ستر القبيح بالجميل، تماما كما ستر قبيح المنظر تحت الجلد بالجلد الجميل الحسن.

عندنا بعض التفسيرات اللطيفة لقوله تعالى "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ..." الله عز وجل لم يقل قل يا عبادي الذين فسقوا، قل يا عبادي الذين زنوا، قل يا عبادي الذين شربوا الخمر، قل يا عبادي الذين قتلوا، بل قال: يا عبادي " يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم " فيها تلطف فيها ستر، فيها ستر لحالهم، تذوق الكلمات القرآنية: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ ..." (الزمر:53)

الشيء الثاني كلمة " قل يا عبادي " يوجد في الآية شيء جميل جدا أي هذا العبد أضافه الله إلى ذاته، والله تحببا لعباده تسلية وتطمينا لهم وإكراما لهم نسبهم إلى ذاته: "قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" فزينتهم بنسبتهم إلى ربهم وقبحهم لا يعقل أن يغلب نسبتهم إلى ربهم لذلك حينما يقول لك الله عز وجل "قل ياعبادي " يجب أن تفتخر يجب أن تطير إلى السماء حبا به وإقبالا عليه.

أيها الأخ الكريم لا تكون في حالة نفسية صحيحة إلا إذا جمعت بين الخوف والرجاء، فإذا غلب الخوف حالة مرضية وإذا غلب الرجاء حالة مرضية وازن نفسك، يوجد في الدم هرمون التجلط وهرمون التميع إذا غلب هرمون التجلط رأيت الدم كالوحل في الأوردة والشرايين فيموت الإنسان فورا، وإذا غلب هرمون التميع سال الدم كله من ثقب صغير، في كلا الحالين الإنسان ميت ولا بد من التوازن الدقيق بين التجلط وبين التميع وبعلاقتك مع الله عز وجل يجب أن يكون هناك توازن دقيق جدا بين الرجاء والخوف، فأكثر الناس يقول: لا تدقق ولا تعقدها الله غفور رحيم هذا رجاء أبله، لو قرأت القرآن لوجدت أن الله سبحانه وتعالى يقول كثيراً ثم إن ربك للذين تابوا وآمنو وعملوا الصالحات إن ربك من بعدها لغفور رحيم إذا راجعت القرآن الكريم ودققت الآيات التي وردت من بعدها، تجدها آيات كثيرة: " وَالَّذِينَ عَمِلُواْ السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِهَا وَآمَنُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ (الأعراف: 153)

نحن كعبيد ما علا قتنا بهذا الاسم؟ الله غفار وأنت؟ ألا تنسى أخطاء الآخرين أبدا ولا تغفرها؟

قال العلماء: حظ المؤمن من اسم الغفار أن يستر من غيره ما يستره الله منه، أدق حق يعنيك من اسم الغفار أن تستر من إخوانك المؤمنين وغير المؤمنين ما ستره الله منك.
امرأة زنت في عهد سيدنا عمر وأقيم عليها الحد ثم تابت وجاء من يخطبها، فجاء أخوها إلى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه فقال: يا أمير المؤمنين جاء من يخطب أختي أفأخبره بذنبها وإقامة الحد عليها، غضب عمر رضي الله عنه أشد الغضب، قال: والله لو أخبرته لقتلتك.

فأنت كمؤمن لك أخ صديق ذلت قدمه وقع في معصية علمتها أنت لا ينبغي أن تذكرها لأحد إذا كنت مؤمناً وعرفت اسم الغفار، كما أن الله غفر لك وتاب عليك يجب أن تغفر لإخوانك وأن تستر ذنوبهم، لك أخ وقع في ذنب إن تكلمت عن ذنبه فقد اغتبته وإن عيرته ابتليت به وإن رضيت منه هذا الذنب شاركته في الإثم، إذا أحدنا بلغه أن أخاه أكل مالاً حراماً يكفي أن يقول جيد ما فعل استطاع أن ييسر معيشته بهذه الكلمات يأثم معه، فثناؤه على معصيته، واستحسانه لعمله مشاركة في الإثم ، واحتقاره بقوله كيف فعل هذا سوف يبتلى بهذا الذنب لأنه عيره به وذكر معصيته للناس.

لا يوجد إنسان كله أخطاء ولا ميزة له، عندك موظف كله سوء؟ أنا مسرور من أمانتك اطمئن، شخص دخل على النبي عليه الصلاة والسلام دخل على المسجد ليلحق ركعة مع رسول الله فركض وأحدث ضجة وجلبة وصخباً وضجيجاً وشوش على الصحابة صلاتهم فالنبي الكريم هكذا علمنا فقال له: (عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلا تَعُدْ) (صحيح البخاري)

فأنت كمؤمن عليك أن تتخلق بأخلاق الله عز وجل على قدرك البشري، يوجد قصة رائعة جدا عندما جاء عكرمة مسلماً بالله ماذا قال النبي الكريم، قال: جاءكم عكرمة مسلما، فإياكم أن تذموا أباه . من أبوه؟ أبوه أبو جهل أعدى أعداء النبي قال: فإن ذم الميت يؤذي الحي ولا يبلغ الميت، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.

يروى أن سيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام مر بجيفة ولا أعتقد أنه يوجد في الأرض أبشع لا في المنظر ولا في الرائحة من الجيفة، فقال أصحابه: ما أنتن ريحها، فقال عليه الصلاة والسلام: بل ما أشد بياض أسنانها أنظروا ما أجمل أسنانها، لعل مغزى هذه القصة، لن تكون أباً ناجحاً ولا معلماً ناجحاً ولا داعياً ناجحاً ولا تاجراً ناجحاً ولا مدير معمل ناجحاً ولا مدير مستشفى ناجحاً إلا إذا عرفت ميزات الذين حولك، ذكرتها وقدرتها بعدئذ وجه لهم ما شئت من النصائح فيقبلونها منك، أما إذا غفلت عن ميزاتهم وتتبعت أخطاءهم فهذا مما يبعدهم عنك.

اللهم إنك عفو كريم تحب العفو فاعف عنا يا كريم، هذا الدعاء كان من أحب الأدعية إلى النبي عليه الصلاة والسلام
.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الجمعة أبريل 02, 2010 1:41 pm

اسم الله flower الحكم flower



قال بعض العلماء: " الحَكَم؛ هو صاحب الفصل بين الحقِّ والباطل ".
أحياناً الباطل له جولةٌ وصولة، ربما سمح الله له أن يعلو، ربما أرخى الله له الحبل لكن إلى أمد.. لأنَّه حَكَم؛ لا بدَّ من أن يزهق الباطل، لأنَّ الله موجود.. لو أنَّ الباطل استشرى وامتدَّ وطغى وبغى إلى أمدٍ طويل، هذه الفكرة تتناقض مع وجود الله، لا بدَّ من أن يظهر الله آياته، وما أكثر الآيات، والآيات نراها كلَّ يوم.

مثلا.. شريكان؛ كلٌّ يدَّعي أنَّه على حق، وأنَّ شريكه الآخر ظلمه.. الإنسان أحياناً يتكلَّم، ويأتي بالحجج الواهية، ويفتري ويخترع أدلَّةُ غير صحيحة، يوهم الناس، ولكنَّ الله هو الحكم.. فالشريكان؛ الظالم يُهلكه الله، والمظلوم يوفِّقه الله.. توفيق الله للمظلوم؛ هو حُكْمُ الله فيه. إهلاك الظالم هو حُكْمُ الله فيه.

أيام يتوفّى أبٌ ويترك أولاداً، أحد أولاده الأقوياء يأخذ المال كلَّه، ويحرم إخوته، تدور الأيّام هؤلاء المظلومون إخوة هذا الأخ الباغي الظالم، يوفَّقون في أعمالهم، وهذا الذي أخذ المال الحرام، يُتلف الله ماله، وأحياناً يُضطرُّ أن يعمل عند إخوته.. الذي أخذ المال كلَّه وحرم إخوته منه، يخذله الله، ويتلف ماله، فيُضطرَّ أن يعمل عند إخوته الذين حرمهم من إرث أبيهم، فالله هو الحَكَمُ.

فعندنا حكم يوم القيامة، لكن هناك حكم في الدنيا، هو نصر الله أو خِذلانه، توفيقه أو عدم توفيقه، تيسيره أو تعسيره، وما أكثر الشواهد، حياتنا زاخرةٌ بهذه الشواهد.. الذي كسب مالاً حلالاً قليلاً، يبارك الله له فيه، والذي كسب مالاً حراماً كثيراً، يتلِفُ الله ماله، الذي برَّ والديه يهبه الله أولاداً أبراراً، والذي عقَّ والديه يهبه الله أولاداً عاقّين؛ هذا حكم الله له.

قال تعالى: " أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ" (الجاثية: 21)، يعني شابٌ مؤمنٌ مستقيمٌ، ويخاف الله ويرجو رحمته، ويتحرّى الحلال، ويبحث عن زوجةٍ صالحة، لا يكذب، ضابطاً لجوارحه، ضابط لدخله وإنفاقه، وشابٌ آخر متفلِّتٌ ليس عنده عقيدة، ولا استقامة، ولا عبادة، ولا حلال ولا حرام، يفعل ما يشاء. فإذا تساوى هذان الشابّان في التوفيق وفي النصر والتأييد، وفي التمتُّع في الحياة الدنيا. إن تساويا ولم يكن هناك فرقٌ بينهما، هذه الفكرة تتناقض مع وجود الله الحكم.

فالحَكَمُ توفيقه حُكْمٌ، تيسيره حكم، تعسيره حكم، إلقاء الأمن في قلب المؤمن حكم، إلقاء الخوف والفزع في قلب المشرك حكم، أن يُقدِّر للإنسان حياةَ ضنك؛ أن يقدِّر للإنسان حياةً طيِّبة حكم، أن ينصرك حكم، أن يخذلك حكم، إن دعوته فاستجاب لك فدعاؤك صادق ومخلص، وإن لم يستجب فهناك سببٌ حال دون أن يُستجاب لك حكم.

إن الله الحكم يُميِّز بين الشقيِّ والسعيد فقد قال تعالى: " مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ" (آل عمران: 179).

في الدنيا قد يحكم القاضي، ولكنَّ محكمة النقض تنقُض حكمه، وقد يحكم رئيس محكمة النقضِّ، ولا يُصدَّق حكمُه، لكنَّ الله سبحانه وتعالى لا معقِّب لحكمه، وإذا أراد الله بقومٍ سوءاً فلا مردَّ له لا تعقب لحكمه.

قال الغزالي: " الحكم؛ هو الذي لا يقع في وعده ريب "، إذا وعد.. لأنَّ ربنا عزَّ وجلَّ يطمئننا، إذا حدَّثنا عن المستقبل، جاء الفعل ماضياً ففي قوله تعالى: " أَتَى أَمْرُ اللّهِ فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ" (النحل: 1)

بعض معاني هذا الاسم العظيم الحكم.. النّافذ حُكْمُه، فالإنسان أحياناً يصدر تعليمات فلا تنفَّذ، أو تنفَّذ في مركز المدينة، وفي أطرافها لا تنفَّذ، ما أكثر التعليمات التي تصدر والتي لا تنفَّذ. فبالطبع ليس كلَّ إنسان حكمه نافذ. أو لو أنَّ الإنسان أراد أن ينفذ حكمه، لاحتاج إلى جهاز كبير جداً، يعني الساعة الثالثة في منتصف الليل لا يوجد شرطي، فإذا كانت الإشارة حمراء يمكنه أن ينفذ منها ويتخطّاها، وبذلك نكون قد خرقنا حكم قانون السير، فمن غير المعقول وضع عند كلِّ إشارة شرطي ليلاً ونهاراً. إذاً الحكم لم يُنَفَذْ، فالإنسان أضعف من أن يُنفِّذ حكمه، أما الله سبحانه وتعالى، الحكم النافذ حكمه.

كلمة " ...وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ... " (يونس: 109)، معنى ذلك؛ أنَّ هناك وقتاً وفيه ظلمٌ فقد يكون الإنسان مظلوماً. فالسيِّدة عائشة ألم تُظلم؟ فلماذا أخَّر الله الوحي شهراً؟ من أجل أن تُكشف النفوس، فأخَّر براءتها شهراً بأكمله، المؤمنون ظنّوا بأنفسهم خيراً، والمنافقون روَّجوا هذا الخبر وأشاعوه وأرجفوا في المدينة.. دققوا في هذه الكلمة من الآية " وَاصْبِرْ حَتَّى " أي اصبر إلى أن، فحتى حرف غاية.. " حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ " حتى يتصرف، حتى يقصم الظالم، وينصر المؤمن " وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ".

سيِّدنا يوسف.. ماذا حكم عليه إخوته؟ أن يقتلوه، ألقوه في غيابت الجب ليموت.. بعد حين ماذا كانت النتيجة؟ دخلوا عليه فإذا هو عزيز مصر، مقامه كبيرٌ جداً، فمصر كانت أكبر مملكة هو رئيس وزارتها.

اسم الله الحكم، يقتضينا أن نحتكم إلى الله أول موقف..أما إذا حُكِّمنا.. أن نحكم بالعدل، ينبغي أن نحتكم إلى الله لأنَّه يعلم كلَّ شيء، يعلم السرَّ وأخفى، ويقتضينا إذا حُكِّمنا في قضيَّة ألا ننحاز مع أحد.

أحد القضاة وكان معروفاً في مدينته أنَّه يُحِبَّ الرُطب في بواكيرها، طُرِق بابه، فتح الغلام الباب، رأى رجلاً معه طبقاً رطب - وهذا شيء نفيس جداً في بواكيره، وهو غالٍ كثيراً، ومن نوع جيِّد -، فرجع إلى القاضي قال له: يا سيِّدي بالباب رجل ومعه طبقٌ رُطب. فقال له: صف لي إيَّاه. قال: صفته كيت وكيت. فعرف أنَّه أحد المتخاصمين، فقال: رُدَّ الطبق إليه. بعد حين قابل الخليفة وطلب إعفاءه من منصب القضاء. قال: ولِمَ وأنت الورع النزيه العالم الفقيه المجتهد؟ قال: والله جاءني قبل أيَّام رجل قدَّم لي طبق رطب، وفي اليوم التالي جاء مع خصمه ليحتكما إلي، تمنيَّتُ أن يكون الحقُّ مع صاحب الطبق الذي قدَّمه إلي، هذا مع أنِّي رددته فكيف لو قبلته؟.... فالله الحكم الذي لا يميل مع أحد، والله الحكم الذي لا يحابي أحد، فمَن مِن الخَلْق يخلوا من أن تعترضه هذه الآفات التي تقدح في حكمه.

أنت حكماً بين ابنتك وصهرك، وتكلَّمت البنت على كيفها، فزمجرت وأرعدت وغضبت وقلت: هذا الصهر ليس عنده أدب، وسوف أقوم بتربيته وحرمانه من زوجته ستة أشهر.. فهل أسمعت منه قبل أن تحكم؟، نعم..الله لأنه عالم لا يحتاج أن يسأل الطرف الثاني، فهو يعلم السر وأخفى، فحكمه بناء على معرفةٍ بأقوال المتخاصِمَيْن، فالحكم يحكم بين اثنين، فلابد وأن يكون سمع من الاثنين، فمن يحكم قبل أن يسمع الاثنين فهو ظالم لا يعرف العدل، والعدل لا يحتاج إلى علم بأقوال الاثنين، وإذا فُقِد العلم بأقوال الاثنين وقع الحاكم في الظلم.

قال أحدهم لأحد الشيوخ: يا سيدي قد لطمني أحدهم كفاً، فرددته له، أَعَليَّ شيء؟ قال له الشيخ: لا ليس عليك شيء. ثمَّ ظهر أنَّ الذي ضربه هو أبوه. فالفتوى على قدر الوصف.
فالقضاء دقيق.. سمعت من ابنتك شيء وتكلَّمت عن زوجها كلَّ شيء، ألا يقتضي الحكم العدل أن تسمع من زوجها، ماذا فعلت به؟ سمعت من والدتك، فاسمع من زوجتك رأساً طلقها دون سماعها، فأنت أحياناً تكون حكماً بين زوجتك وأمك، وبين ابنتك وصهرك هؤلاء أقرب الناس إليك، أو تكون رئيساً لدائرة وعندك موظفان متشاجران دوماً، فإذا سمعت من واحدٍ منهم، فاستمع للآخر، ولا تعاقب على الفور بعدما سمعت من الأوّل، فإذا كنت حكماً يجب أن تحكم بالعدل، والعدل مبني على العلم، والله له العلم التام المحيط بكل شيء فحكمه على الأشياء بحكمة لأنه مبني على علم تام لا تنقصه أي معلومة يحتاجها الحكم، فمن يحكم على الناس فقد تقمص وصف الله، ومن يحكم على الناس فقد قام مقام الحَكَم، ومن يحكم على الناس كأنه يدّعي أنه تام المعرفة محيط بكل قول قيل في القضية ليحكم فيها، ومثل ما سبق من يصف الناس بقوله هذا مبتدع، وهذا فاسق، وهذا عاصي، وهذا من فرقة كذا الضالة، فليتق الله أقوامٌ موقوفون أمام الحَكَم يوم القيامة قائلا لهم " وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ" (الصافات: 24)، وأقول لكل من ظلمه إنسان وحكم عليه بغير الحق، سيحكم الله لك غدا بالحق، فكل الأحكام باطلة إلا حكم الله "إن الحكم إلا لله" لأنه احكم الحاكمين.

قد يغيب عن الناس أن كلمة قاضٍ، هو إنسان بقَصْر العدل (المحكمة)، يعتلي منصة القضاء، ويحكم بين الناس، من قال لك ذلك؟ أنت في مئات الحالات قاضٍ، أنت أب عندك بنت متزوجة، جاءت البنت إليك تشكو زوجها، فأنت أردت أن تكيل الصاع صاعين لزوجها، أبقيتها عندك، ومنعتها من الاتصال به، سألته أنت؟ هل سألت زوجها ما الذي يزعجه منها؟ أبداً، انحاز إلى ابنته انحيازاً كاملاً، هو حكم الآن، لكن ما كان حكماً عادلاً، ما سمع من الطرفين.

الحَكَم هو القادر على الفصل، وليس هذا إلا لله.. الحَكَم هو التام العلم في كل خصومة تُرْفع إليه، وليس هذا إلا لله.. الحكم هو العادل الذي بنى علمه على علم تام، وليس هذا إلا لله.. الحَكَم هو القهار الذي يقهر المتخاصمين على حكمه الذي حكم به بينهم "فلا رادّ لحكمه".
هذه الصفات لا تجتمع إلا في الله على الكمال، فلا تدخل في اختصاص ليس من اختصاصك، وتذكر أنك إن حكمتَ حَكَمَ الله عليك لأنه "أحكم الحاكمين"، وتذكر أن من يحكم بين العباد في الأرض هم العلماء المجتهدون الذين يوقّعون الأحكام نيابة عن الله بأمر من الله.. فهل انت منهم؟
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الجمعة أبريل 02, 2010 1:48 pm

اسم : flower الله العدل flower



الحقيقة أن الله سبحانه وتعالى عدل في خلقه، وعدل في تشريعه وعدل في أمره التكويني، وفي أفعاله، أي عدل في خلقه وعدل في أمره وعدل في فعله، خلق وأمر وفعل فعدل فهو عدل.

الله عدل في خلقه: فمثلا مكان اليد مناسب جداً، وفي موقع متوسط، والشيء المعتدل الذي هو بين الإفراط والتفريط، فمفتاح الكهرباء مثلاً إذا وضع في مكان يتناسب مع أهل البيت، فالأب يحرك يده إلى مستوى معين فيطالعه، والأم والابن وجميع من في البيت يستعملونه براحة، فهذا المكان معتدل، ولو كان مرتفعاً لاحتاج الأمر إلى سلم، ولو كان منخفضاً مع الأرض لاحتاج الأمر إلى أن ينبطح الإنسان ليتألق المصباح، أما أن يكون هذا المفتاح في مكان معتدل بين الارتفاع والانخفاض فهذا المكان اسمه مكان معتدل، والاعتدال من العدل، والاعتدال هو التوسّط، ودائماً التوسّط هو الموقف الأكمل بين الإفراط والتفريط.

وأيضا لو أن الإنسان رأى في كأس الماء كل الكائنات الحية لما شرب الماء، فلو أن العين بلغت من الدقة بحيث ترى كل شيء لاستحالت حياتنا شقاءً، ولو أنَّ العين بلغت من ضعف الرؤية ألاّ ترى الشيء الخطر لهلكنا، إذاً في الحالة الأولى إفراط وفي الثانية تفريط، فعتبة الرؤية لها حد معتدل، فالله سبحانه وتعالى عدل في خلقه. ولو أن العين في قمة الرأس أو في الظهر أو في الكف، لاختل نظام حياتك وعملك.

يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (6) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (Cool (الانفطار: 6-Cool أي خلقك أيها الإنسان بحواسك وأعضائك وأجهزتك والغدد الصماء وجهاز الهضم والقلب والرئتين وكل ذلك باعتدال، إذاً فسوّاك فعدلك.

ولو أن حجم الأرض خمسة أمثال حجمها الحالي، فوزنك يتضاعف خمسة أمثال وتصبح حركتك أشغالاً شاقة لأنَّ وزن الإنسان متعلق بحجم الأرض، والدليل وزن الإنسان على سطح القمر سدس وزنه الحالي يهبط من ستين كيلو إلى عشرة. ذاً: حجم الأرض وكثافتها وقوة جذبها وبُعدها عن الشمس وعن القمر وهي تجري وتدور، كل ذلك باعتدال، فسبحان من خلق فسوى.

إذا استيقظت صباحاً وصليت الفجر وجلست كي تفكر، أو سرت فسترى كل شيء أمامك خلقه الله باعتدال، وسيزيدك ذلك معرفةً بالله مسافات طويلة، فانظر كل شيء فأمره إلى الاعتدال!

وقد يصنع الإنسان حلويات بعيارات غير دقيقة فتنبو على الذوق، أما ربنا عزوجل خلق فقدر فتأكل التفاح والإجاص والكمثرى والعنب والتين والبلح، وكله باعتدال.

إذاً: أول معنى من معاني العدل عدل في خلقه، يعني خَلَقَهُ بِحِكمة بالغة، ووهذه آية أخرى تعبر عن هذا المعنى نفسه: "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ ۖ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ ۚ...(الأنعام:73)يعني بالحق بالدرجة الحكيمة، المعتدلة التي لا تزيد ولا تنقص.. هذا في خلقه فاعتبروا يا أولي الألباب.

عدل في أمره: أمرك أن تصوم 30 يوماً في العام، فلو أمرك أن تصوم ستة أشهر، فشيء فوق طاقة البشر، والدليل أن الإنسان يشعر أن آخر خمسة أيام من رمضان طويلة شاقة وكأن كل يوم شهر، فثلاثون يوماً هذا هو الحد المعتدل، وأمرك أن تُصلي خمس مرات فلو كانت 50 صلاة وكل صلاة 50 ركعة لما أطقنا ذلك فالأمر معتدل:" لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ ...(البقرة:286)

الصيام إذاً معتدل، والحج في العمر مرة، والزكاة ربع العشر، فالشريعة عدل إذاً، وحتى الأوامر، فمثلاً غُضّ من بصرك، فلو كان الإنسان يمشي في الطريق وفاجأه منعطفٌ حادٌ وفجأة مرت أمامه امرأة فعليه أن يغض من بصره، لا أن يكفه كلية، فكف البصر كلية فيه عَنت ومشقة، لكن الله لطيف بعباده فلم يقل لا تنظر بل قال: " قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ..."(النور:30)ولو قال: غضوا أبصاركم.. لَهَلَكنا جميعاً، ولكن جاء الأمر: " من أبصارهم " فإذا حصل مفاجأة غير متوقعة وبأقل من عُشر الثانية غضضت بصرك فلا شيء عليك، فالأمر معتدل.

فما حظ العبد من هذا الاسم؟
نحن دائماً بأسماء الله الحسنى لنا هدفان كبيران، الهدف الأول أن نتعرف إلى الله، وهل في الحياة كلها موضوع أجدر من أن نعرف الله عز وجل، أي هذه الذات الكاملة التي ستبقى في جوارها إلى أبد الآبدين، والهدف الثاني طاعته لنسعد بقربه ورضاه وجنته.

ما حظك من هذا الاسم، أنت مؤمن فماذا تستفيد من هذه الأسماء؟

فأمّا حظ العبد من هذا الاسم فهو أن يحترز عن طرفي الإفراط والتفريط، يعني لا إفراط ولا تفريط.

ففي أفعال الشهوة يحترز عن الفجور الذي هو الإفراط وعن الجمود الذي هو التفريط. مثلا قد نجد إنساناً كما يُقال " زير نساء "، إنه غارق في الشهوة إلى قمة رأسه، عدواني، ينتهك أعراض الناس، هذا فجور، وقد تجد إنساناً كما قالت المرأة: " يا أمير المؤمنين إن زوجي صوام قوام، لم ينتبه سيدنا عمر رضي الله عنه فقال: بارك الله في زوجك، فقال له أحدهم: إنها تشكوه يا سيدي ولا تمدحه فجاء به ونصحه، وقال له: إن لأهلك عليك حقاً"

أما مع الأولاد،
فإياك أن تعطيهم عطاءً يفسدهم أو أن تحرمهم حرماناً يحقدون به عليك، فأعط الواحد منهم المبلغ الكافي، وأعطه حاجته، ولو أعطيته فوق حاجته فإنك قد أفرطت، ولو أعطيته أقل من حاجته فإنك قد فرطت. وقال صلى الله عليه وسلم لهند بنت عتبة وقد قالت له: إن أبا سفيان رجل شحيح وإنه لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني إلا ما أخذت من مال بغير علمه فهل علي في ذلك جناح؟ فقال: (خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف). والكسوة: اللباس. وقوله: "بالمعروف" أي بالمتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط.

وفي أفعال الغضب يُحترز عن التهور الذي هو الإفراط والجُبن الذي هو التفريط ويبقى في حدٍ وسط وهو الشجاعة.

وفي تربية الأولاد من السهل أن تكون عنيفاً، والعنف لا يحتاج إلى بطولة إن ضربته موجعاً إياه، حطمته، ومن ثم حقد عليك.." علموا، ولا تعنفوا، فإن المعلم خير من المعنف ". وأيضاً لا ترخِ له الحبل فيتجاوز حده، فالاعتدال أن يبقى ابنك راغباً فيك خائفاً منك " رغباً ورهباً " وهذا حد دقيق جداً فدائماً الحالات المتطرفة سهلة، فلا تكن ليناً فتُعصر، ولا تكن قاسياً فتُكسر، والخير وأن تكون بينك وبين الناس شعرة إن شدوها أرخيتها وإن أرخوها شددتها فهذه هي البطولة، البطولة أن يكون الذي حولك في حيرة من أمرك، هم يرجونك ويخافونك في وقت واحد.

وبعد، فلنا وقفه عند العدل في أفعاله، لقد تحدثنا عن العدل في خَلْقِه، وعن العدل في أمره، وبقي العدل في فعله.

العدل سبحانه في فعله: يجب أن تعلم علم اليقين أن في الكون عدالة مطلقة، لكن قد تُفاجأ بسؤال، إن فلاناً مستقيم بعمله التجاري فمحله التجاري كله منضبط، وأسعاره مسجلة، ومعتدلة، ولديه مستندات كاملة فجاءه موظف وافتعل مخالفة وكتبه ضبطاً وزجّهُ في السجن أليس هذا ظلماً صريحاً؟ الجواب: هذه الحادثة بحد ذاتها هي ظلم ظاهري، أما لو ربطت حياة هذا الإنسان في بيته، مع أهله و جيرانه، ومع من هم دونه و مع من هم فوقه، وجمعت الحسابات كلها بعضها إلى بعض، لرأيت في هذا البلاء منتهى العدل وبالتعبير التجاري هناك حساب لا ظُلم فيه، أما حساب السندات هذه وحدها ففيها ظلم، ولكن وضمّهُ إلى ما فعله البارحة في البيت قبل أن ينام، فقد تخرج بالنتيجة ذاتها.

حادث جرت من عشر سنوات، اثنان تشاجرا في سوق ما، أحدهما معه سلاح فأطلق رصاصة، فأخطأت خصمه، وهناك من سمع الشجار فمد رأسه من دكانه فجاءت الرصاصة في عنقه قريباً من عموده الفقري، فُشُلَّ تماماً. فاستوقفني رجل وقال: يا أستاذ أنت تحدثنا عن عدالة الله، فما صنع هذا: إنه رجل صالح فتح دكانه ليسترزق ويسعى على عياله وهو يبيع أقمشة، ولا ذنب له، سمع شجاراً، فمد رأسه فجاءت هذه الرصاصة في عنقه قريباً من عموده الفقري فأصبح مشلولاً، فأين عدالة الله؟ قلت: والله أنا أعرف أن الله عادل، ولكنك أطلعتني على فصل من فصول هذه الحادثة، ولعل لها فصولاً لا نعرفها، لا أنا ولا أنت وأنا أسلم لعدالة الله. فوالله الذي لا إله إلا هو؛ إنها من غرائب المصادفات، والأصح أنها ليست مصادفات: وهي أن صديقاً لي من حي الميدان حدثني بعد عشرين يوماً عن حادثة مثيلة، قال: لنا جار كان وصياً على أموال أولاد أخيه الأيتام وبقي لهم معه عشرون ألفاً ـ ثمن بيت ـ والحادثة قديمة وكان البيت ثمنه عشرون ألفاً فرفض أن يعطيهم هذا المبلغ فشكوه إلى أحد علماء الميدان، فاستدعاه واستدعى أولاد أخوته، فأصرَّ على عدم دفع المبلغ فقال لهم الشيخ: يا بني هذا عمكم فإياكم أن تشتكوا عليه للقضاء، هذه الشكوى لا تليق بكم، ولكن اشكوه إلى الله " هذه الواقعة تمت الساعة الثامنة مساءً، في اليوم الثاني مد رأسه من الدكان فأصابته الرصاصة فشُلَّ جسمه!!!

ومرة كنت راكباً مع أخ في سيارته، فتجاوّزَ حده مع سيارة فضربه فتوقعت من الذي ضربت سيارته أن يكون عصبي المزاج ويغضب ويعلو صوته فنزل، ونظر إليه وقال له: اذهب، وأنت مسامح، فاستغربت والله، وفوجئت بأن الحادث أدى إلى أضرار للآخر بهيكل السيارة والمحرك، فلما رجع صاحبي إلى سيارته رأيت على خده دمعة، قلت له: ما القصة يا فلان؟ قال: والله: منذ سنة ضرب شخص سيارتي وفي سيارته نساء محجبات فكبر علي أن أزعجه وقلت له: سامحك الله. فربنا بعد عام عاملني كما عاملت ذلك الشخص وكال لي بالمكيال الذي كلت به لغيري.

طبعاً هذه حكايات لكن نحن نقتنص ما بها من عبرة، وأنا متأكد أنه لا يقع شيء في الأرض إلا وفق عدالة مطلقة، فدائماً إذا سمعت حكاية أو حادثة فيها ظلم، فسأنصحك هذه النصيحة قل لنفسك: لقد سمعت فصلاً أو عدة فصول من هذه الواقعة و بقي فصل لا أعرفه، ولو عرفته لرأيت العدالة المطلقة، فاعرف الفصل الأخير، دائماً ولا تتسرع، وتمهل ولا تحكم و قل: الله أعلم، وكفى بربك بعباده خبيراً بصيراً، الله يعلم ونحن لا نعلم.

" وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (الشورى:30)

" وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (الكهف:59)

إذاً: فالله سبحانه وتعالى عدل في خلقه، وعدل في أمره وعدل في فعله ونحن " المؤمنين " ينبغي أن نقف بين الإفراط والتفريط وأن نكون معتدلين في كل أفعالنا.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الثلاثاء مايو 11, 2010 12:01 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: اسم الله الجميل   الجمعة نوفمبر 26, 2010 10:39 pm

اسم الله الجميل








الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 160
تاريخ التسجيل : 21/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الأربعاء ديسمبر 08, 2010 3:23 am

جزاكي الله خيرا يا سها علي المجهود الرائع

نود اسم الله الولي الودود
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alrahma1.ahlamontada.com
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الجمعة ديسمبر 10, 2010 6:33 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الجمعة ديسمبر 10, 2010 6:42 pm

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 160
تاريخ التسجيل : 21/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   السبت ديسمبر 11, 2010 4:30 am

جزاكي الله خيرا بس ياريت لو مكتوب زي ما عودتينا اختي الكريمة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alrahma1.ahlamontada.com
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الخميس ديسمبر 16, 2010 1:42 am

من عنيا الاتنين حبيبتى ف الله

انا بس لاقيته مكتوب بطريقة حلوة ومنظمة ع الموقع ...اكتر من كتابتى Smile



الله الولى



أيها الأخوة، أما معنى "الولي" في اللغة، هي صيغة مبالغة من اسم الفاعل الوالي، الوالي صيغة مبالغته "الولي" فعله ولي، يلي، ولاية.
و "الولي" هو الآن الذي يلي غيره، فلان جالس هنا، الولي إلى جانبه، الذي يلي غيره، بلا فاصل، يعني ليس بينهما أحد، إنسان جالس بمكان من جالس إلى جانبه تماماً هو "الولي" الذي يليه، ويكون هذا التقارب في المكان، أو النسب، أخوه، ابن أخيه، عمه ، إما في المكان، أو في النسب.
ويطلق "الولي" على الوالد، أولياء الطلاب، يعني الوالد، والناصر وليه نصره والحاكم أولو الأمر، والسيد، فالسيد، والحاكم، والناصر، والوالد، هو "الولي"، والذي يجلس إلى جانبك ليس بينك وبينه أحد هو "الولي".

أيها الأخوة، لاشك أن الحياة محفوفة بالمخاطر، يعني إنسان بكل قوته ، وجبروته، وهيمنته، وحجمه المالي بثانية واحدة تتجمد قطرة دم في أحد أوعية دماغه يصاب بالشلل، بمكان آخر يصاب بالعمى، بمكان آخر يصاب بفقد الذاكرة، يعني لو أن الدم تجمد في أي مكان احتشاء، جلطة، حادث سير أصبح مشلولاً، ركب طائرة وقد مات جميع ركابها، يعني الحياة كلها مخاطر، ما في إنسان يضمن أن يعيش ساعة، وقد يأتي الموت بأسرع من لمح البصر، قد يكون رجلاً فإذا به خبر، لصقت على الجدران نعوته.
لذلك من أقوال سيدنا عمر: واعلموا أن ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا وسيتخطى غيرنا إلينا، فلنتخذ حذرنا.
كل واحد يقرأ في اليوم عشرات النعوات، لكن لابدّ في أحد الأيام من أن يقرأ الناس نعوتنا، كل يوم يخرج من بيته قائماً على قدميه، لكن في مرة واحدة لابدّ منها يخرج في نعش ولا يعود، يدخل إلى المسجد كل يوم، لكن في مرة واحدة يدخل إلى المسجد في نعش لا ليصلي بل ليُصلى عليه، هنا البطولة أن تعد لهذه الساعة التي لابدّ منها عدتها.


إذاً هناك أخطار لا تعد ولا تحصى، أخطار بالصحة، أخطار بالعمل، أخطار بالدخل، أخطار بالرزق، أخطار أسرية، أخطار عامة، اجتياح، فقد الأمن، هناك مصائب لا تعد ولا تحصى، هذه المصائب تقلب حياة الإنسان إلى جحيم، إلى شقاء، بأسباب تافهة يقود مركبته أخذته سنة من النوم، تدمرت حياته كلها، فجأة ورم خبيث، في ريعان شبابه.
أعرف إنساناً أخذ أعلى شهادة من فرنسا بالجيولوجيا، وتسلم منصباً رفيعاً جداً، وله مكانة كبيرة، وبيت فخم، وزوجة، وكل شيء، فقد بصره، راعوه شهر، يأتي موظف يعرض عليه المعاملات، ويعطي رأيه ويوقع، لكن بعدها سُرح، زاره صديق لي قال له: يا فلان ! أتمنى أن أجلس على الرصيف أتكفف الناس، وأن يرد الله لي بصري فجأة فقد بصره.
لذلك من أدعية النبي عليه الصلاة والسلام:

(( اللهم إنا نعوذ بك من فجأة نقمتك، وتحول عافيتك، وجميع سخطك، لك العتبى حتى ترضى ))
[أبو داود عن ابن عمر ]

الإنسان إذا أطاع الله شعر براحة كبيرة، إذا أطاع الله شعر بالأنس، شعر بحماية الله، هو في ظل الله، هو في رعايته، معنى قوله تعالى:
﴿ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا ﴾
( سورة الطور الآية: 48 )

أي برعايتنا، وبحفظنا، وبتوفيقنا، وبتأييدنا، وبنصرنا.

أيها الأخوة، الله هو "الولي" معنى "الولي" هو المتولي لأمور خلقه، القائم على تدبير ملكه، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، كما قال سبحانه:

﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

( سورة الحج )

يعني مثل بسيط: كتلتان مغناطيسيتان، وضعناهما على مستوٍ، وجئنا بكرة فولاذية وضعنا هذه الكرة بينهما، يعني في مكان لو أزحته واحد من مئة من المليمتر تنجذب هذه الكرة الحديدة إلى إحدى الكتلتين، أما في مكان وسط هندسي دقيق جداً تتوازن جاذبيات كل كتلة تبقى في مكانها، هذه حالة، الكتلتان متساويتان في الحجم، لو كتلة أكبر وكتلة أصغر الحساب صار أدق، يجب أن تكون في مكان بين الكتلتين لكن ليس في المنتصف، في مكان يتناسب مع جذب الكتلة الأكبر، وجذب الكتلة الأصغر، لو في ثلاث كتل، أصعب، لو في أربعة، أصعب، لو في خمس كتل متفاوتة بالحجم، وأنت يجب أن تضع كرة حديدية بين هذه الكتل الحسابات لا تنتهي، وقد يكون شيئاً مستحيلاً، وإن كانت هذه الكتل في الفراغ شيء أعلى، شيء أدنى، شيء أقرب، شيء أبعد، شيء أكبر، شيء أصغر، هذا يسميه العلماء توازن الحركي.


هكذا الكون، مجرات، وكواكب، ونجوم، وكبير، وصغير، وكثيف، وغير كثيف، والمحصلة توازن حركي، هذا من آيات الله الدالة على عظمته، يعني المحصلة في توازن، الأرض، والقمر، والشمس، المجموعة الشمسية، وفي مليون مليون مجرة، وبكل مجرة في مليون مليون نجم وكوكب، والمحصلة توازن، بحسب قانون التجاذب، الأكبر يجذب الأصغر.
الأرض تسير حول الشمس، في مسار إهليلجي، طبعاً المسار الإهليلجي في قطر أصغر وقطر أكبر، إذا انتقلت الأرض من القطر الأكبر إلى الأصغر، المسافة قلّت بعدها عن الشمس أصبح أقل، إذاً احتمال أن تنجذب إلى الشمس احتمال قائم، وإذا انجذبت الأرض إلى الشمس تبخرت في ثانية واحدة، ما العمل ؟ الله عز وجل بيده ملكوت كل شيء، يرفع سرعة الأرض من هذه السرعة الجديدة تنشأ قوة نابذة تكافئ القوة الجاذبة، فتبقى في مسارها.

﴿ إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا ﴾
( سورة فاطر الآية: 41 )

الآن حينما تنتقل من القطر الأصغر إلى القطر الأكبر، المسافة زادت واحتمال تفلت الأرض من جاذبية الشمس قائمة، ما الذي يحصل ؟ يخفض الله سرعتها، هذه السرعة القليلة تنشأ قوة نابذة أقل تكافئ القوة الجاذبة الأقل فتبقى في مكانها. لذلك:
﴿ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ

أيها الأخوة، أحد كبار العلماء ابن القيم رحمه الله تعالى، يرى أن ولاية الله جلّ جلاله لخلقه ولايتان، ولاية عامة، وولاية خاصة، فالولاية العامة هي ولاية الله لشؤون عباده، شؤون، شأن رزقهم، شأن علاقاتهم، شأن معالجتهم، شأن تربيتهم

( سورة الأنعام الآية: 129 )

الولاية العامة:
أيها الأخوة، الله "الولي" حينما تسأله شيئاً يعطيك أسبابه، الله "الولي" يدبر شؤون عباده، الله "الولي" يتكفل بأرزاقهم، الله "الولي" يدبر أحوالهم، الله "الولي" يربيهم، يكرمهم أو يؤدبهم، الله "الولي" يمكنهم من تحقيق اختيارهم، يعطهم القوة على أن يحققوا ما اختاروا ، الله "الولي" يعطيهم أسباب ما يسألونه، إنسان سأل الله الرزق، يلهمه أن يفعل شيئاً ما، أن يلتقي بإنسان، أن يشارك إنسان، أي يُمكّن الإنسان من الفعل، ويعطيه أسباب طلبه، وقد يعطيه علة ما يبتغيه، هذه الولاية العامة، الله ولي كل عباده، كل خلقه.
الولاية العامة تقتضي العناية، والتدبير، وتصريف الأمور، وتدبير المقادير، فالله من فوق عرشه قريب من عباده، هو معهم بعلمه، يرى ما يفعلون، يسمع شكواهم، يعلم أحوالهم، والآية الكريمة:

﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾
( سورة ق )

أي نحن أقرب إليه من روحه، أقرب إليه من قلبه، هذه ولاية عامة، ولاية إمداد، ولاية تربية، ولاية معالجة، ولاية مكافأة، ولاية تأديب، ولاية تمكين، ولاية إعطاء أسباب ما سأله الإنسان، ولاية أن يعطي للمعلول علته.

الولاية الخاصة:
أما الولاية الخاصة: هذه تعني المؤمنين، ولاية الله للمؤمنين ولاية حفظ، الآية الكريمة قد يغيب معناها عن معظم المؤمنين:

﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا

( سورة التوبة الآية: 51 )

لم يقل علينا، يعني المؤمن الصادق، المستقيم، لا ينبغي أن يتشاءم، لأن الله يطمئنه،
﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا ﴾

﴿ لَنْ ﴾

لتأبيد النفي
﴿ إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ﴾

من خير ، من حفظ، من عطاء، من توفيق، من نصر.
﴿ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ

( سورة فصلت

أيها الأخوة الكرام،

﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا﴾
الظلمات جمع، إلى النور مفرد لأن الحق لا يتعدد أما الباطل متعدد، ماذا يستنبط ؟ العمر القصير الذي منحه الله لنا، الستون سنة، الخامسة والستون، والسبعون، هذا عمر قصير، هذا العمر القصير كافٍ أن تستوعب فيه الحق، أما أن تستوعب الباطل فلا لأنه في مليون باطل.
لو فرضنا الفرقة الضالة الفلانية، تحتاج إلى ثلاثين سنة دراسة، أسباب نشوئها ؟ من قادها ؟ ما مصيرها ؟ ما تاريخها ؟ ما رجالاتها ؟ الباطل متعدد، لا يكفيك ولا مليون سنة كي تستوعب الباطل.
لذلك البطولة أن تستوعب الحق، وعندئذٍ يكون الحق مقياساً لك بكل شيء، أما أن تقرأ كل شيء فوق طاقة البشر، ما يطبع في اليوم الواحد يمكن بالإحصاء قرأته من عشرين سنة ما يطبع في اليوم الواحد من كتب باللغة الإنكليزية لا يستطع المرء قراءتها في مئتي عام، الباطل واسع جداً، استوعب الحق وهذا الحق يغدو مقياساً لك.
إذاً
﴿ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ

النور واحد يؤكد هذا المعنى:

﴿ وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ﴾
( سورة الأنعام الآية: 153 )

بين نقطتين لا يرسم معك إلا خط مستقيم واحد، لكن بين نقطتين لك أن ترسم مليون خط منحي، ومليون خط منكسر، أما بين نقطتين خط مستقيم واحد.
لذلك الحق لا يتعدد، لذلك الحرب بين حقين لا تكون، لأن الحق واحد ولا يتعدد، وبين حق وباطل لا تطول، لأن الله مع الحق، وبين باطلين لا تنتهي.

من أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له وتوكلنا عليه

من كان الله معه فمن عليه:
لذلك سيدنا موسى ماذا قال أصحابه ؟

﴿ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ ﴾( سورة يونس )

سيدنا إبراهيم، ألقي في النار فقال الله للنار:
﴿ نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ

( سورة الأنبياء )

سيدنا محمد وهو في الغار، يقول له الصديق:

(( نظرتُ إِلى أقدام المشركين ونحن في الغار على رؤوسنا. فقلت: يا رسول الله لو أن أحدهم نظر إِلى قَدَمْيه أبْصَرَنَا تحت قدميه. فقال: يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما ))[أخرجه البخاري ومسلم والترمذي عن أنس بن مالك ]

إذا كان الله معك فمن عليك ؟ وإذا كان عليك فمن معك ؟ ويا رب ماذا فقد من وجدك، وماذا وجد من فقدك ؟ من أجل أن يكون الله وليك ينبغي أن تكون وليه، يعني بطاعته، وعبادته، والتقرب إليه.

(( عبدي كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد ))
[ورد في الأثر]

فمن أجل أن يكون الله ولينا ينبغي أن نكون أولياءه بطاعتنا له، ومعرفتنا به وتوكلنا عليه.
أيها الأخوة، الخير كله، والنجاح كله، والفلاح كله، والتوفيق كله، والتفوق كله أن تكون ولياً لله، ولن تكون ولياً له إلا إذا أطعته.


والحمد لله رب العالمين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الخميس ديسمبر 16, 2010 2:02 am

الله الودود

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ

( سورة البروج )

وورد أيضاً في قوله تعالى:
﴿ وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ ﴾
( سورة هود )

الآن المعنى اللغوي للـ "الودود"، "الودود" من صيغ المبالغة، وتعلمنا كثيراً أن صيغ المبالغة تعني مبالغة كم، ومبالغة نوع، مودة الله عز وجل لعباده كبيرة جداً ومتنوعة جداً، من حيث النوع، ومن حيث العدد.
ودَ الشيء ودّاً، ووِدّاً، ووَدّاً، العلماء تسمي هذه الكلمات التي تأتي على حركات ثلاث كلمات مثلثة، كأن تقول مُصحف، ومِصحف، ومَصحف، وكل هذه الصيغ صحيحة نقول: هذه كلمة مثلثة، تأتي على حركات ثلاث بمعنى واحد، لكن هناك كلمات، وهذا من دقة اللغة العربية مثلثة، ولكن كل حركة لها معنى، قَدُم: أصبح طبيباً، قَدِم: حضر ، قَدَم: سبقه بقدمه، خُلق: من الأخلاق، خَلِق: من الاهتراء، خَلّق: من البنية، خَلّق ، خُلق، خَلِق.
البَر ؛ اليابسة، البُر ؛ القمح، البِر ؛ الإحسان، من دقة اللغة العربية كل حركة من حركات الكلمة تعني شيئاً، فهناك كلمات مثلثة معناها واحد، وهناك كلمات مثلثة ذات معاني ثلاث.

1 ـ التمني:

المعنى الأول: التمني:

﴿ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ ﴾
( سورة البقرة الآية: 96

أي يتمنى أحدهم، من التمني.

2 ـ المحبة:
المعنى الثاني: الودّ ؛ بمعنى المحبة، كما في قوله تعالى:

﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾
( سورة المجادلة الآية: 22 )

هذا المعنى في هذه الآية ينقلنا إلى ما يسمى بالولاء والبراء، فالمؤمن الصادق بل من لوازم إيمانه أنه يوالي المؤمنين، ولو كانوا فقراء، وضعفاء، والمؤمن الصادق من لوازم إيمانه أنه يتبرأ من الكفرة، والضالين، والمشركين ولو كانوا أقوياء وأغنياء، إلى من تنتمي أنت أيها المؤمن ؟ تنتمي إلى أهل الإيمان.
إذاً المعنى الثاني من معاني الودّ الولاء والبراء أي الحب،
﴿ لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آَبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ ﴾

3 ـ المعية و المرافقة و المصاحبة:
والودّ أيضاً في اللغة قد يأتي على معنى المعية، والمرافقة، والمصاحبة، هذا معنى ثالث، كلازم من لوزام المحبة، إن أحببت إنساناً راقبته، صاحبته، كنت معه، كنت كظله، من المعاني الفرعية الناتجة عن الحب: الملازمة

من فضل الله على الإنسان أنه يسمح له بأن يكون باراً بوالديه بعد موتهما:
مرة شخص سأل النبي عليه الصلاة والسلام وقد توفي والداه، ماذا بقي عليّ من برّ والدي بعد موتهما ؟ قال: أربعة أشياء، أن تدعو لهما، الدعاء أثناء صلاة الجنازة، وأن تستغفر لهما، ربي اغفر لي ولوالدي، وأن تنفذ عهدهما، قبل أن يموت الأب عهد إلى أولاده شيئاً، وأن تنفذ عهدهما، وأن تصل صديقهما، وأن تصل الرحم التي لم يكن لها صلة إلا بهما، فهذا الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما.
أي من فضل الله عز وجل أتاح الله للابن أن يكون باراً بوالديه بعد موتهما حينما يصل الرجل أهل ود أبيه، حينما ينفذ عهد أبيه، حينما يصلي على أبيه صلاة الجنازة، حينما يدعو له في كل صلاة، هذه من مسلكيات البر بعد الموت.

الله عز وجل ودود يحب رسله و أولياءه و يتودد إليهم بالنعم التي أحاطهم بها:
أيها الأخوة، اسم "الودود" اسم له خصوصية، الآن الله عز وجل ودود كيف ؟ قال: "الودود" هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، الله عز وجل كيف يتودد إليك ؟ هو غني عنا جميعاً.

(( لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم، كانوا على أفجرِ قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنْسَكم وجِنَّكم كانوا على أتْقَى قلب رجل واحدِ منكم، ما زاد ذلك في مُلْكي شيئاً، لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكم، وإنسَكم وجِنَّكم، قاموا في صعيد واحد فسألوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسان مسألتَهُ، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما يَنْقُص المِخْيَطُ إذا أُدِخلَ البحرَ، ذلك لأن عطائي كلام وأخذي كلام، فمن وَجَدَ خيراً فليَحْمَدِ الله ومن وجد غير ذلك فلا يَلُومَنَّ إلا نَفْسَهُ ))
[ أخرجه مسلم والترمذي عن أبي ذر الغفاري ]

أيها الأخوة، الله عز وجل ودود، يتودد إلينا بهذه النعم التي أحاطنا بها، يعني بشكل أو بآخر الله عز وجل ودود يعني تودد إلى عباده بالنعم الذين هم فيها، يعني نعمة الألوان، هناك مخلوقات لا ترى إلا الأبيض والأسود، أحياناً صورة أبيض وأسود لا تعجبك أما ملونة وهناك ألوان زاهية أحياناً، أعطاك الألوان، أعطاك اللون الأخضر، وقد يغطي مساحات شاسعة، جعل السماء زرقاء، جعل البحر أزرق اللون، في البيت طفل صغير ممتلئ حيويةً وجمالاً وروعةً وبهاءً، أليس هذا من الود، كل النعم التي يتمتع بها الإنسان تندرج تحت اسم "الودود".

من أحب الله و أحسن إلى عباده أحبه الله عز وجل:
"الودود" إذاً هو الذي يحب رسله، وأولياءه، ويتودد إليهم، يعني تأكد أنك إذا كنت مستقيماً على أمر الله، تأكد أنك إذا خطبت ود الله، تأكد أنك إذا أحسنت إلى العباد الله يحبك.
والله مرة سمعت كلمة من متكلم في عقد قران روى حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، يخاطب النبي به معاذ قال:

(( يا معاذ إني لأحبك ))

[ النسائي عن معاذ بن جبل]

يعني شيء لا يقدر بثمن أن يحبك رسول الله، أو أن يحبك المؤمنون، أو أن يحب الله عز وجل.

﴿ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ﴾
( سورة المائدة الآية: 54 )

بل إن الله أراد أن تكون العلاقة بينه وبين عباده علاقة حب، علاقة محبوبية لهذا قال:

﴿ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ﴾
( سورة البقرة الآية: 156 )

يريدك أن تأتيه محباً، طائعاً، برغبة منك، بمبادرة منك، من دون قهر، من دون إكراه

من أحبه الله ألقى محبته في قلوب الخلق جميعاً:
لذلك الله "الودود" يعني يحب عباده، كيف يحبهم ؟ يرضى عنهم، كيف يحبهم ؟ يغفر لهم، كيف يحبهم ؟ يرحمهم، كيف يحبهم ؟ يتوب عليهم، كيف يحبهم ؟ يستجيب دعاءهم، كيف يحبهم ؟ يتقبل أعمالهم، وكيف يحبهم ؟ يوددهم إلى خلقه، إذا أحبك الله ألقى محبتك في قلوب الخلق، فهو ودود، إذا أحبك الله جعل الخلق يحبونك، هذا من نعم الله الكبرى.
لذلك لا تتوهم أن الخلق إذا أحبوك بجهدك، وبذكائك، وبحنكتك، لا، ألقى الله في قلوب الخلق محبتك، إذا أحب الله عبداً ألقى محبته في قلوب الخلق، والدليل قوله تعالى:

﴿ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي ﴾
( سورة طه الآية: 39 )

ألقيت عليك محبة في قلوب الخلق مني، أنا السبب، وأحياناً الله عز وجل يلقي بغض إنسان في قلوب الخلق، لا أحد يحبه، يكون على مستوى عالٍ من الذكاء، من الجمال، من المال، من القوة لا يُحب، أن يحبك الناس هذا أكبر عطاء من الله عز وجل.

الله عز وجل يتودد إلى عباده بالمغفرة و التوبة و استجابة الدعاء:
إذاً الله "الودود" يحب رسله، يحب أولياءه، يتودد إليهم بالمغفرة، بالتوبة، باستجابة الدعاء، يرضى عنهم.

﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ

( سورة الفتح الآية: 18 )

يعني أنت حينما تكون مستقيماً على أمر الله من فضل الله عليك يلقي في روعك أنه يحبك، هذا الشعور لا يعرفه إلا من ذاقه، عملك طيب، دخلك حلال، بيتك منضبط ، أولادك ربيتهم تربية عالية، بناتك محجبات، البيت إسلامي، الدخل إسلامي، الإنفاق إسلامي، النشاط إسلامي، المحبة لله ورسوله، عندئذٍ الله يحبك يلقي في روعك أني أحبك، وإذا أحبك الله وصلت إلى كل شيء.

(( ابن آدم اطلبني تجدني، فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شيء ))
ر تفسير ابن كثير

المؤمن الصادق يجتمع في قلبه تعظيم لله وحب له وخوف منه:
الآن يوددهم إلى خلقه، يحبب خلقه بهم، معنى "الودود" موقف المؤمن الموقف الذي يليق به، أن يحبب الله إلى عباده، كما أن الله يحبب المؤمنين إليك، أيضاً موقفك الأخلاقي أن تحبب الله إلى عباده.
أحد أنبياء الله عز وجل قال:

([color=violet]( يا رب، أي عبادك أحب إليك حتى أحبه بحبك ؟ فقال: أحب عبادي إلي تقي القلب، نقي اليدين، لا يمشي إلى أحد بسوء ))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

يعني ما فكر إطلاقاً أن يسيء لإنسان، بل لمخلوق.

(( أحبني، وأحب من أحبني، وحببني إلى خلقي، قال: يا رب إنك تعلم أني أحبك وأحب من يحبك، فكيف أحببك إلى خلقك ؟ قال: ذكرهم بآلائي، ونعمائي وبلائي ))

[من الدر المنثور عن ابن عباس ]

أنت إن ذكرت الناس بنعماء الله تحبب الله إلى عباده، وإن ذكرتهم ببلاياه بالبلاء، والشدة، تخوفهم أن يعصوه وأنت إن ذكرتهم بآلائه العظيمة يعظموه، إذاً لابدّ من أن يجتمع في قلب المؤمن تعظيم، وحب، وخوف.

من شعر أن الله عز وجل يؤثره و يحبه شعر بنشوة عظيمة لا تقدر بثمن:
الآن الآية الكريمة وهي من أروع الآيات:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً

( سورة مريم )

ما قولك ؟ المودة مع من ؟ مع خالق السماوات والأرض،
﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

أن تشعر بمودة مع الله عز وجل، أن تشعر أن الله يحبك، أن تشعر أن الله يؤثرك، الدعاء الشريف:

(( اللهم أعطنا ولا تحرمنا، أكرمنا ولا تهنا، آثرنا ولا تؤثر علينا، أرضنا وارضَ عنا ))
أنت حينما تشعر أن الله يؤثرك، ويحبك، ويعطيك، هذه نشوة ما بعدها نشوة.

إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً: من معاني هذه الآية:
1 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين الله عز وجل:
لذلك المعنى الأول:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

فيما بينهم وبين الله، تشعر بمودة، بالتعبير الدارج أنت غالٍ على الله.

2 ـ شعور الإنسان بمودة عظيمة بينه و بين المؤمنين:
هناك معنى آخر:

﴿ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً ﴾

فيما بينهم، في مودة بين المؤمنين، لا يستطيع شيء في الأرض أن يقوضها.
﴿ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ

( سورة الأنفال الآية: 63 )

من علامة إيمانك أنك تحب الله، من علامة إيمانك أنك تحب المؤمنين، أنك تضحي من أجلهم، أنك تؤثرهم على كل شيء، علامة الإيمان الحب بين المؤمنين، وعلامة النفاق بغض المؤمنين.

(( إِنَّ اللهَ إِذا أحبَّ عبدا دعا جبريلَ، فقال: إِني أحبُّ فلاناً فأحِبَّه، قال: فيُحِبُّه جبريلُ، ثم ينادي في السماءِ، فيقول: إِنَّ اللهَ يحبُّ فلاناً فأحِبُّوه، فيحبُّه أهل السماء، ثم يوضَعُ له الَقبُولُ في الأرض ))[ البخاري عن أبي هريرة

الله عز وجل مع الصادقين بالتوفيق و التأييد و النصر و الحفظ :
ابن عباس يُعرف "الودود" بأنه الحبيب، المجيد، الكريم، الآن الله عز وجل "الودود" لأنه يؤيد رسله، ينصر عباده الصالحين بمعيته الخاصة.

﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ ﴾
( سورة الحديد الآية: 4 )

قال ابن القيم: أما "الودود" ففي قولان، أحدهما: أنه بمعنى فاعل، الذي يحب أنبياءه ورسله والمؤمنين، والثاني هذا معنى جديد، والثاني بمعنى مودود أي محبوب، أن الله سبحانه وتعالى هو وحده يستحق أن تعبده، ويستحق أن تحبه، هو أهل لمحبتك، وأن يكون أحب إلى العبد من سمعه، وبصره، وجميع محبوباته.
لذلك أيها الأخوة

﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ * ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ * فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ ﴾
يحبك، ويتودد إليك، فينبغي أن تحبه، وأن تتودد إليه بالأعمال الصالحة لخدمة خلقه

الدين هو اتصال بالله وإحسان إلى المخلوق:
المؤمن من خصائصه أنه يحب الله، ويحسن إلى خلقه، وسيدنا عيسى عليه وعلى نبينا أفضل الصلاة والسلام في القرآن ورد:

﴿ وَأَوْصْانِي بِالصّلاةِ والزَّكَاةِ مَا دُمْت حَيّاً ﴾
( سورة مريم )

لخص بكلمتين حقائق الدين، اتصال بالله، وإحسان إلى المخلوق
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
Admin
Admin
avatar

عدد المساهمات : 160
تاريخ التسجيل : 21/10/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الأحد ديسمبر 19, 2010 4:07 am

جزاكي الله كل الخير يا سها ونفع بك

اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://alrahma1.ahlamontada.com
سها محسن

avatar

عدد المساهمات : 169
تاريخ التسجيل : 03/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: معرفة الله... كأنك تراه   الأحد يناير 09, 2011 1:59 am

الله الجبار















مواعيد هذا البرناامج الراااااااااائع :

الاربعاء الساعة 9.5 مساء على اقرأ
الاعادة :
الخميس الساعة 3 العصر
االجمعة الساعة 1.5 صباحا (منتصف الليل)
الجمعة 9.5 صباحا
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
معرفة الله... كأنك تراه
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدي ام رحمة الاسلامي :: مع كتاب الله :: اسماء الله الحسني ومعايشتها (سلسلة اعرف ربك)-
انتقل الى: